 والطاعة لا يؤمنون ولا يطيعون؛ فينبغي أن يقال: ما علم الله تعالى أنه يكون مما أمر به فإنه يريده؛ لأنه علم أنه يكون، وما علم أنه لا يكون فإنه لا يريده وإن أمر به؛ لعلمه بأنه لا يكون.
وما قلناه أولى؛ فإنه لا يتصور إرادة ما علم أنه لا يكون وأخبر أنه لا يكون، هذا مما يبعد تصويره للمنصف.
ثم نقول: لو علم الآمر منا أن الذي يأمر به عبده لا يكون؛ بأن أخبره نبي بذلك، فإذا وجه على عبده - والحالة هذه - الأمر بذلك الذي علم أنه لا يكون ؛ فهل يجد في نفسه اقتضاء الطاعة أم لا ? وهل يريد امتثال المأمور به ? فلو أنصفيم (213اف) لعلمتم أنه في هذه الحالة لا يريد امتثال المأمور، ولو أراد لسفه عقله وبطلت حكمته، ولكن يجد اقتضاء الطاعة؛ فإنه مدلول قوله: «افعل».
ولقد أخبر الرب سبحانه أن فرعون لا يؤمن، وعلم على الوجه الذي أخبر، فلو أراد منه الإيمان والحالة هذه، فكأنه أراد تجهيل نفسه وتكذيبه في خبره.
والعجب أنه لو قيل للجبائي وابنه: ما علم الله سبحانه أنه لا يكون، فلو قدر كونه فما قولكم فيه ? فقال : نتوقف عن الجواب بالنفي والإثبات؛ رعاية للأدب، ثم إنهم يصرحون بأنه سبحانه يريد وقوع ما علم أنه لا يقع.
ثم نقول: لو كان الأمر يتضمن إرادة المأمور به، والنهي يتضمن كراهة المنهي عنه، فلو أمر الله تعالى المكلفين بشيء ثم نهاهم عنه؛ فقد صار ما كان مأمورا به منهيا عنه، ووجب أن يكون كارها لما أراده، وقد قالوا