
ومما ذكره من الصور: أن رجلا لو ملك عبيدا، فاتهمه سلطان الوقت أنه قصد بجمعهم تشويش المملكة عليه، فإذا أحضره الملك وهم بأن يبطش به؛ فيقول معتذرا: إن هؤلاء لا يطيعونني في شيء من الأمر، ولا يلتفتون إلى كلامي وقولي، فلم يصدقه الملك، فإذا أراد الرجل تحقيق قوله وتمهيد عذره، فيأمر عبيده في مجلس الملك بأمر، ويقول لهم: افعلوا كيت وكيت؛ فلا نستريب - والحالة هذه - أنه لا يريد طاعتهم بل يكرهها، والأمر المؤكد توجة عليهم.
ومن ذلك: أن من ضرب ولده وأجهده، فرفع ذلك إلى مجلس السلطان، فاعتذر عما صدر منه، وقال: إنه لا يطيعنى؛ وآية ذلك أني أوجه عليه بمشهد منك أمرا ، فيبين لك عصيانه إياي، فإذا أحضره ووجه عليه الأمر، فلا شك أنه يريد ظهور المخالفة منه ؛ تمهيدا للعذر.
فإن قالوا: إن الذي يصدر منه في هذه الصورة ليس بأمر على الحقيقة، وإنما هو امتحان، وليس الغرض منه اقتضاء الطاعة.
قلنا: [هذا] الآن مراغمة للحقيقة؛ فإن العبيد علموا على اضطرار أن سيدهم أوجب عليهم بحضرة الملك أمرا، وهذا مستبين من قرائن الأحوال، ومنكره جاحد للحقيقة؛ إذ يسوغ للقائل أن يدعي مثل هذه الدعوى في كل أمر؛ حتى لا يبقى أمر حقيقي.
* قلنا: وكذلك أوامر الله تعالى للكفار الذين لا يؤمنون بالإيمان والطاعة - ليس أمرا حقيقيا.