 أمر هو اقتضاء الطاعة: أن يكون الآمر به مريدا للمأمور به؛ إذ الجمع بين اقتضاء الطاعة وطلبها من المأمور وبين كراهته وقوعها جمع بين نقيضين، بمثابة الجمع بين الأمر بالشيء والنهي عنه، وبمثابة قول القائل: افعل، لا تفعل»؛ إذ لا فرق بين قول القائل: «آمرك بكذا وأكره منك فعله»، وبين قوله: آمرك بكذا وأنهاك عن فعله.
قالوا: فإذا ثبت أن كل أمر يقتضي طاعة المأمور ويريد وقوع المأمور به، وقد أمر الله تعالى الكفار بالإيمان، فيجب أن يكون مريدا لإيمانهم، وإن علم كفرهم.
قلنا : معولكم فيما ذكرتموه على أن كل مأمور به مراد للآمر، وكل منهي عنه مكروهآ للناهي، ونحن نريكم الآن في الشاهد والغائب بطلان قولكم؛ فنقول: قد يأمر الآمر منا بالشيء، وهو لا يريد وقوعه، وذلك يتصور في مواضع:
منها : ما قال شيخنا أبو الحسن لال له: لو أن نبيا أخبر واحدا من أمته، وقال: إنك لو أمرت ولدك بخمس خلال، واقتصرت عليه عصاك، ولو أمرته بعشر خصال، ثم حططت عنه خمسا لأطاعك في الخمس الباقي، وإنما غرض الأب من ولده الطاعة في الخمسة؛ فيأمره بالخلال العشر، وهو على قصد حط خمس منها - فقد تحقق الأمو بالخصال العشرة، وهو لا يريد منها إلا خمسا؛ فوضح بذلك: أن الأمر لا يقارن الإرادة.
قلت: ولعل غرض الشيخ بذكر هذا المثال ما بلغه من حديث المعراج، وأن الله سبحانه أمر نبيا صلى الله عليه وسلمكث الليلة بخمسين صلاة، ولم يرد منه إلا الخمس.