 الله تعالى من عباده ما لم يكن وكره منهم ما كان، لأفضى ذلك إلى انتسابه تعالى إلى التقصير ؛ وذلك أن العقلاء متفقون على أن نفوذ الإرادة في المراد من أحق دلالات الكمال، ونقيضه دليل نقيضه، وهذا مما لا سبيل إلى جحده. (210 اف)
وكذلك اتفقوا على أن نفوذ الإرادة في المراد مما يتمدح به، وعدم نفوذها من أمارات القصور ودلالات الضعف ، أو من علامات الغفلة والذهول، ولا نقيصة أعظم من أن يقال: الأمور جارية في المملكة، شاءها الملك أم كرهها.
والذي يوضح ما قلناه : أن مخالفينا في المسألة وافقونا على أن الرب قادر على تحصيل مراده من الخلق بطريق الاضطرار والإلجاء، ولو قدر مقدر خلاف ذلك فى حكم الإله سبحانه، لكان واصفا ربه تعالى بالقصور، وكذلك إذا أراد منهم أن يطيعوه اختيارا ويلتزموا أمره طوعا، ثم لم تنفذ إرادته؛ فلا فرق بين الأمرين . وكذلك وافقونا على أنه سبحانه لو أراد من أفعاله شيئا، ثم لا يكون، كان ذلك قصورا؛ فكذلك القول فيما يريده من أفعال العباد.
والذي يحقق هذه الجملة: أنه سبحانه تمدح بنفوذ إرادته ومشيئته في خليقته في آي كثيرة من القرآن، منها: قوله تعالى: (ول شئنا لأتينا كل نفص هدها) لسجدة: ]، وقوله تعالى: (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى) [الانعام: 5]، وقوله تعالى: (ولو شاء ربك لا من من في الأرض كلهم حميعا) [يونس: 99]، وقال تعالى: (أفلمر يأيعس الذيب ءامنوا أن لآ يثاء الله لهدى الناس جيعا) ، وقال تعالى: (ولو شاء الله ما أشركوا)، وقال سبحانه: (من يشإ الله يضلله)، إلى غير ذلك من الآآيات.