
579
وذلك كوجودنا الإنسان في تركيبه وصورته ووضع حواسه المتهيئة لدرك المحسوسات: كاليد التي يبطش بها، والرجلين التي يسعى عليهما، وتركيب الأعضاء الباطنة وما يصلح لها، والمنافذ لتسهيل ما يخرج منها، وكذلك المعدة وما فيها من القوى الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة، وكذلك القلب والكبد والرئة، وتخصيص كل واحد بخصائص عجيبة لن تتأتى الحياة في استمرار العادة دونها.
ثم هو في مولده رضيعا يغتذي بلطيف الأغذية الملائمة لبدنه، ليس معه داع يدعوه إلى غير ما يصلح له منها، حتى إذا مضت المدة التي استحكمت فيها أعضاؤه، ولم يجتز بمثل الذي كان يناله من الغذاء، واحتاج إلى ما يقيم به طبعه في إذابة ذلك - هيئت له الأسنان تجعل لطعامه؛ ليسهل عليه مدخله ويظهر له ما فيه من الطعم الملذ له، وجعلت له الأنياب للكسر، والطواحين للطحن والمضغ، وجعل مقاديمها للزينة.
حتى إذا بلغت به الحال أوان البلوغ، أحدثت له أسباب الشهوة والميل إلى النكاح والأمور التي يكون منها النسل.
ثم هو كذلك متنقل في أحواله المشهورة، وليس منها حال إلا وهي دالة على تقدير مقدر وتدبير مدبر حكيم قادر عليم، قال الله تعالى: (إنا خلقنا الإنكن من نطفة أمشاج نبتليه فحلنه سميعا بصيرا)، وقال تعالى: (ولقد خلقنا الإنن من سالة من طين...) إلى قوله : (أحسن الخلقين) العزمون: 12 -14]، وقال سبحانه: ( يأيها ألناس إن كنتم في ريب من ألبعث فإنا خلقناكم من تراب)