
ثم الفيض الذي أشاروا إليه قضية واحدة لا تختلف؛ لاستحالة اختلاف وجوده سبحانه ، واستحالة اختلاف الأحوال وتعاقبها عليه، ثم وجدنا العالم العلوي في غاية الاختلاف في الذوات والصفات والنتائج والآثار والأماكن والأقدار والأفعال، وعلمنا أن العلة الواحدة لا توجب ذوات مختلفة متضادة، ولو كان العقل من فيضه لكان مثله. وكذلك لو كانت النفس من فيض العقل، لكانت بمثابته في جميع الصفات.
ومن تدبر الكواكب ونظر في اختلاف حركاتها وأقدارها ونتائجها. وآثارها، استيقن أن ذلك مما يستحيل إضافته وإسناده إلى علة موجبة.
ومن لا يفرق (202اف) بين حبر متكون على قرطاس وبين كتابة منظومة متسقة، يجب أن يعزى في عقله، كلا إنما هي من صنع الفاطر المدبر العالم الحكيم القادر المريد ، (ليس كمثله شيء)، وقد قال تعالى: (ذلك تقدير العزيز العليم).
وقد رأيت لمحمد بن زكريا الطبيب فصلا وجيزا في افتقار الحوادث إلى المحدث المختار؛ فأدرجته هذا الباب، ليعلم الناظر أن المتحذقين من الفلاسفة إذا أنصفوا: علموا أن الشيء لا يتكون بنفسه ولا بطبعه، وأن الكائنات الحادثة مفتقرة إلى فاطر مدبر قديم.
فقال: البراهين قائمة على أنه لا يمكن أن يكون الجسم غير متناه، ولا جسم غير مركب، ولا حركة لم تزل، ولا مصاحب للحوادث قديم، وأن أشكال الأجسام وهيئاتها واقعة بحسب المنافع المقصودة بها المجري بها إليها، كأشكال أعضائنا وأعضاء سائر الحيوان، وعجيب ما فيها من لطيف التشكيل والتخطيط والتصوير ، الذي تزول معه الشكوك عن النفوس في أنها