 الطبائعيين عليهم في أن ذلك من آثار الطبائع وشرف البنية.
وليس قول من يحيل العلم إلى فيض النفس، بشرط أن تكون البنية بالجملة مستصلحة لفيض النفس - بأولى ممن يحيل ذلك إلى آثار العناصر وقوى الأغذية وشرف البنية. ولو كان ذلك من فيض النفس لعم طلبة العلم المجتهدين في تحصيله، ولما لم يكن كذلك ، بل اختلف على حسب اختلاف الطالبين في الاجتهاد والنظر والذكاء والبلادة - بطل دعواهم. وقد علمنا: أن من الطيور والدواب من تزيد فطنته على فطنة كثير ممن يعد من العقلاء.
ونقول لهم: أخبرونا عن الفيض: أتعنون به: انتقال الصور والأعراض، مع العلم باستحالة الانتقال عليها، أم تحملونه على التجاور، مع القطع بأن العلم ليس من الجواهر القابلة للتجاور ? وليس لهم عن هذا جواب يعقل.
وقد يستشهدون بالشمس وفيضها.
وهذا فاسد؛ فإن الشمس من الأجرام المحدودة المختصة بالجهات والأحياز، فيفيض ضوءها على الأجرام التي تقابلها، وليس العقل والنفس من الأجرام المختصة بالجهات، ومن لا حد له ولا جهة، كيف يتصور منه الفيض?!
قلت: ومن عجيب الأمر: أنهم قالوا : العقل والنفس والأجرام العلوية كلها من فيض الإله الذي هو علة العلل؛ فإنه سبحانه مادة العقل، والعقل مادة النفس، والنفس مادة الفلك، وأثبتوا الهيولى أيضا، وقطعوا بأن وجود العالم من فيض وجود الإله سبحانه، وإذا لم يكن لوجود الإله حد وجهة، كيف يعقل منه فيض النور ?!