
وليس معكم فيما تدعون حجة عقلية ولا براهين قطعية، وأقصى ما تتمسكون به في ذلك الوجدان والاستقراء، وقد قال المحصلون منكم: الاستقراء ليس ببرهان، وإنما البرهان ما يوصل إلى العلم قبل الوقوع، فأما ما لا سبيل إلى معرفته إلا بعد الوقوع فليس ببرهان.
والذي يوضح ذلك: اختلاف مذاهبكم في كيفية تركب العناصر، ولقد وجدنا لبعض الأدوية وبعض الجواهر [خواص] لا تعرف ماهيتها؛ فمن رام تعليل الخواص وقع في مباهتة) وحيرة، وكذلك القول في المركبات.
وأما قولكم: إن الفاطر تعالى فرق بين بنية الحدقة وبين بنية العقب، فنحن لا ننكر ذلك، غير أنا نقول: ليس ذلك عللا في الإدراك ولا شرائط فيه؛ فإن في الحيوانات - من الحشرات والطيارات كالذباب والبعوض ونحوهما - مبصرات ومدركات، وليست لها هذه البنية التي للإنسان، وكذلك الجن والشياطين والملائكة يبصرون وليست لهم هذه البنية.
وإنما خص الله تعالى بعض الحيوانات ببعض الصور والتركيب وأكرمهم بها، كما قال سبحانه: (لقد خلقنا ألإنن في أحسن تقوير)، وقال سبحانه: (وصوركم فأحسب صوركم)، وقال تعالى: (ولقد كرمنا بني ادم)؛ وإنما قصد بذلك الزينة، كما قال تعالى: (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الالب)، (وزيلها للنظريبن) [الحجر: 16] ؛ كذلك قصد بتركيب الإنسان على هذه الهيئة زينة وتكريما له؛ وقال سبحانه: (إنا جعلا ما على الأض زينة لها).