
ثم نقول : من يسلم لكم: أن الماء الحار والبارد إذا اجتمعا تركب منهما كيفية ليست بحارة ولا باردة? وبم تنكرون على من يقول: الماءان اختلطا وانقسم الركن على الركن بالأجزاء الصغار، كما قلنا في الفحم والجص إذا طحنا واختلط بعضه ببعض؛ فيظن الظان أنه حصل لون آخر خارج عن اللونين؟
فإن قالوا: أشرف الحيوانات الإنسان، فانظروا في تركبه وانحلاله، ولا شك أنه ينحل من الآدمى ما ينحل بالتردد؛ فيحتاج إلى الغذاء؛ ليكون خلفا عن الذي ينحل عنه، وخلف الشيء [مثله، وغذاؤه إنما يكون بالمركبات الحاصلة من الأركان؛ فإن الحنطة إنما تنبت في التراب والماء، وتنمو بالاستمداد بالشمس والهواء؛ تنبسط عليه الشمس وتصفقه الرياح، ولو اختل شيء من هذه الأشياء لا تنبت ولا تنمو.
قالوا: ثم هذه الأطعمة إنما تغذيه، لموافقتها لطبيعته، والأدوية لا تغذيه؛ لمخالفتها لطبيعته، ثم الغذاء يتردد في الأمعاء والعروق حتى يتصفى ويصير كالطل المداد)؛ فيصلح لأن يخلف ما انحل عنه، وما لم ينحل منه شيء لا يجوع ، هذا بيان تركبه وتمامه في الابتداء والوسط.
فإذا كان معنى كون الطعام غذاء صلاحيته لأن يكون خلفا للمنحل، وخلف الشيء مثله؛ فيجب أن يكون أصل التركب من هذه الأركان. وأما في الانحلال : فالإنسان إذا مات فأول ما يخرج منه الحرارة والبخار، ثم