 55
قلنا: لو كان مما يعلم بضرورة العقل لما ساغ لمخالفيكم إقامة الدليل على خلافه، ومن أصلكم: (إذا وجد المسبب وانتفت الموانع وجب وجود المسبب، وكيف يكون المتولد الواجب مقدورا أو واقعا بالقدرة ?! ثم من أصلكم: «أن الحادث يخرج بحدوثه عن كونه مقدورا؛ فوجب أن يخرج عن كونه مقدورا بوجود السبب؛ فإن وقوعه واجب.
ثم نقول: بم تنكرون على من يدعي الضرورة في أن تحرك الأشجار وجريان السفن إنما هو بهبوب الرياح، ونماء الزرع إنما هو بالسقي ونحوه من المواد، كالشمس والهواء وتقوية الأرض بما يقويها من الزبل ونحوه? ثم صار عامة المسلمين إلى أن ذلك من صنع الله تعالى ؛ بكونه سبحانه قادرا . وكذلك الكلام في المعالجات بالأدوية، فإن أفعال الله تعالى معظمها يترتب على الأسباب.
فإن قالوا: المكلفون مأمورون بحمل الثقيل وشيله وتفريق ما يراد تفريقه، وقد وردت الشريعة بالقتل والذبح للهدايا والإيلام في الحدود.
قالوا: ولو كانت المتولدات واقعة بقدرة الله تعالى حسب وقوع الجواهر والألوان، فلا معنى للأمر بها؛ فثبت أن الأمر بها كالأمر بالأفعال المباشرة.
قلنا: وقد يرد الأمر بإشباع الجائع وإفطار الصائم وإرواء العطشان وتنظيف الثياب للصلاة وإفهام الغير معاني الخطاب، إلى غير ذلك مما يوافقونا عليه، وكذلك الأمر بالإدراك وتحصيل العلوم من جهاتها، وكل ذلك من فعل الله تعالى وصنعه، وفي الحديث: (نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس).