 وليس يعنون بذلك: اقتدارا حقيقيا، وإنما يعنون به: التأتي والتيسر إن هيا الله الأسباب في استمرار العادات.
وهذا بمثابة اختيارهم الأراضي الزكية النقية الطيبة التربة للزراعة، وتجنبهم السبخة الخبيثة، وإن كانت صفات الأرض عند نفاة الطبائع لا تؤثر في نبت الزرع ، ولكن استمرت العادة على أن الأرض إذا كانت طيبة التربة كانت صالحة للزراعة ؛ فتشبثت العقلاء بهذه العادات. وأمثلة هذا من ترتب بعض الأمور على بعض في حكم العادة كثيرة، ومن ذلك: قولهم: الخبز يشبع، والماء يروي، والخمر يسكر، والسم قاتل، ونحو هذا.
ومما يعضد المخالف به كلامه ويقرره: أن يقول: إذا حل الوثاق عن المقيد، فهو في صفات ذاته كما كان وهو مقيد لم تتبدل صفته؛ فدل ذلك على أنه كان قادرا في حال كونه مقيدا.
3 والجواب: ما قدمناه.
ثم نقول: كيف يستقيم التشنيع علينا بأمثال هذا، ومن أصلكم: أن كل حي يقدر على ما يقدر عليه غيره، وإنما لا يتأتى له لفقد الآلة ?! ومن قال: «إن العصفور يقدر على ما يقدر عليه الفيل، أو على ما يقدر عليه الرجل القوي، أو الشيطان العاتي»؛ فهو معزى في عقله. ومن قال: «القدرة التي في القلب تتعلق بأفعال الجوارح، أو القدرة التي في الجوارح يتأتى بها أعمال القلوب عند وجود الآلات»؛ فهذا أبعد عند العقلاء من الأمور التي يشنعون بها علينا ، التي هي مبنية على استمرار العادات.