 وتقدير سواد لا يسود به المحل ولا يفيد حكمه غير معقول، بل وجوده كعدمه، ولو جاز ذلك في سواد ما، لجاز في كل سواد، وذلك يقلب الجنس ويحيل الحقيقة ويبطل العلة والمعلول، وذلك محال.
فإن قالوا: السواد الثاني يفيد فائدة، وهي أن يصير المحل أشد سوادا مما كان، وذلك أمر معقول ومحسوس.
قلنا : لا معنى لكون الشيء أسود إلا أن يحل فيه سواد، والسواد الواحد لا يحل إلا جوهرا واحدا، وشدة السواد في الجوهر الواحد غير معقول، وإنما يدرك ذلك في الجملة، على ما سنذكره إن شاء الله. وقد حصل السواد في الجوهر واسود به، فلو قدرنا سوادا آخر لما أفاد المحل حكما ولما عقل وجوده، ولما اجتمع سوادان في محل، لم يكن أحدهما بتسويد المحل أولى من الثاني؛ فيتضادان لهذا المعنى ويتزاحمان مزاحمة السواد للبياض.
ولو فرضنا وجود سواد في محل، امتنع علينا العلم بكونه أبيض في تلك الحالة (117/ف)، وإذا فرضنا وجودهما معا ، امتنع بوجود كل واحد منهما العلم بوجود الآخر ؛ فوجب فرض انتفائهما جميعا عند فرض وجودهما، وكذلك إذا فرضنا وجود سوادين في محل واحد . وكذلك [قولنا في] العلمين والإرادتين، فينتفي حكم كل واحد منهما بوجود صاحبه؛ فيجب أن لا يكون موصوفا بكل واحد منهما؛ لوجود صاحبه. وقد طردنا هذه الطريقة في استحالة وجود فاعلين لفعل واحد.