
453
وأيضا: فإن البنية إنما يعلم منها ضرب من التركب والتألف، وكل تركب يخطر للعاقل فيمكن تصويره في الجمادات، مع استحالة ثبوت أحكام القادرين لها ؛ إذ لا يشترط في ثبوت ضرب من الأكوان الحياة، وكذلك ما من تركيب إلا ويمكن تصويره العجز
وأما الصحة فإن أريد بها: ضرب من البنية، فقد وضح المقصد فيه، وإن عني بها: معنى ما أشرنا إليه في القدرة، فذلك خلاف في العبارة وموافقة في المعنى . وكذلك سلامة البدن من الآفات، إن عني بالآفات: العجز وما جرى مجراه ، فلا تصح السلامة منها إلا بمعنى يكون مانعا لها، وليس ذلك إلا القدرة، فأما أن يسلم من تلك الآفات من غير معنى ينافيها فذلك محال، على أن انتفاء الآفات إشارة إلى النفي المجرد، والنفي لا يوجب حكما ثابتا.
وإن فسر الصحة والسلامة بالحياة، كان محالا؛ لانقسام الأحياء إلى القادرين والعجزة. وإن فسر ذلك بالحياة وضرب من البنية، كان ذلك تعليقا للحكم الواحد بعلتين ، وذلك محال.
وإذا بطلت هذه الأقسام، تعين التنصيص على القدرة.
وهذا سبيلنا في تعيين كل عرض ينازع فيه، فمن اعترف بأن المتحرك متحرك لمعنى والعالم عالم لمعنى، ثم طالبنا بتعيين ذلك المعنى؛ فنقول: كون العالم عالما في حكم المحيط بالمعلوم؛ فيلزم أن يكون الموجب له في حكم الإحاطة، والمتحرك منتقل، فلزم أن يكون الموجب لذلك انتقالا؛ كذلك في مسألتنا: المكتسب للحركة يحس في نفسه حال القادرين؛ فيجب لذلك أن يكون الموجب لذلك قدرة.