
فإن قيل: قد أطلق بعض أصحابكم القول بأن العدل منا يضاد الجور.
قلنا: إن أطلقوه فإنما يطلقونه توسعا في الكلام، وهو كإطلاقهم القول بأن فعل الحركة يضاد فعل السكون، فليس يعنون بذلك: إثبات تضاد بينهما من حيث الفعل ؛ فإن الحركة والسكون إنما يتضادان بخصوص أوصافهما، والعدل قد يكون حركة وقد يكون سكونا، وقد يكون الشيء ظلما في حال إذا كان منهيا عنه، عدلا في حال إذا كان مأمورا به.
فضنا
التضاد إنما يقع عند قيام معنيين متضادين بمحل واحد.
هذا مذهبنا.
وللمعتزلة فيه تفصيل؛ فزعموا أن المعاني التي لا يشترط في ثبوتها الحياة، فإنما يقدر التضاد فيها عند تقدير القيام بالمحل الواحد، فمن ذلك: الألوان والأكوان والطعوم والروائح ونحوها. وأما ما يشترط في ثبوته الحياة من المعاني ، فليس يتخصص التضاد فيها بتقدير القيام بالمحل الواحد والاجتماع فيه، بل يرجع موجب التضاد إلى الجملة، فالعلم إذا قام بجزء من القلب، فالعالم بذلك العلم الجملة التي المحل منها، والجملة تتنزل عندهم منزلة المحل الواحد من حيث وقوع التضاد فيها.
قالوا: فلا يجوز قيام علم بالسواد بجزء من القلب، وقيام جهل بالسواد بجزء آخر من الجملة؛ إذ لو قدرا كذلك، لوجب اتصاف الجملة بكونها عالمة جاهلة.