
وهذا الذي قاله ربما يخيل إلى بعض المناظرين اتجاهه، وليس كما تخيله؛ فإنا إنما نعصيه في هذه الصورة؛ بأنه جعل الفعل المباح تركا لواجب، ولا نعصيه من حيث أكل حلالا أو تعاطى مباحا، وهذا كالمصلي في الدار المغصوبة، يعصي بمقامه وكونه في الدار المغصوبة، ولا يعصي بفعل الصلاة، فالوجه الذي يعصي به غير الوجه الذي حكم بطاعته فيه.
قال: ولم يزل الرب تعالى تاركا، على معنى أنه قادر على الفعل، ولم يفعل شيئا مما قدر عليه.
وهذا الذي قاله صحيح في حق الإله سبحانه من حيث المعنى (11/ف)، غير أن إطلاق الاسم ممنوع منه ؛ لعدم التوقيف. فأما إذا أطلق ذلك في حق أحدنا فلا يصح في المعنى؛ فإن القدرة الحادثة لا تبقى زمانين، ولا يصح الفعل بقدرة معدومة حالة إيقاع الفعل، غير أنه لا يمتنع إطلاق ذلك ، على معنى: أنه لو أراد لصادف قدرة عليه، والتارك للشيء يتيسر عليه فعل المتروك.
ففلل
إذا ثبت أن الأفعال لا تتضاد من حيث إنها أفعال؛ فلا يتحقق التضاد في صفة ترجع إلى الأفعال دون التجنيس.
وبيان ذلك: أن العدل والإحسان ونحوهما من صفات الأفعال، فذلك في أفعال الله تعالى لا يتضمن تجدد صفات لوجود القديم سبحانه، كالخلق والرزق؛ فالمعني باتصافه بكونه خالقا بعد أن لم يكن متصفا به: أن الخلق وقع بقدرته، وذلك لا يتضمن تجدد صفته، وكذلك الكلام في جملة أفعال الإله سبحانه.