
فإن قالوا: قد ذكرتم عند الكلام في إثبات العلم بكون الرب تعالى عالما: أن ذلك مما يعلم اضطرارا، ولا يتوصل إليه نظرا واعتبارا، فهذا ما ارتضيتموه، وهو مناقض لما استروحتم إليه الآن ؛ [من حيث] قلتم: الفعل المحكم دال على كون مخترعه عالما به.
قلنا: هذا تلبيس منكم، ولا تناقض في الجمع بين ما قدمناه وبين ما استدللنا به الآن؛ فإنا وإن قلنا: نعلم أن المحكم لا يصدر إلا من عالم به على الضرورة - فحقيقة القول فيه يئول إلى أن المحكم دليل على كون فاعله عالما به، من غير احتياج إلى نظر في كونه دليلا . وكأن الأدلة تنقسم؛ فمنها ما لا يعلم كونه دليلا إلا بالنظر، ومنها ما يعلم كونه دليلا على الضرورة، والذي نحن فيه من القسم الأخير، ولا معنى لكون الشيء دليلا على مدلول إلا أنه يجب من العلم به العلم بالمدلول، وهذا سبيل المحكم الدال على علم محكمه.
ولقد قال في المسألة التي قبل هذه المسألة، عند ذكر اختلاف المتكلمين في فعل النائم والغافل: الصحيح عندي في ترتيب المذاهب: أن من استدل بالإتقان على علم المتقن، فيلزمه أن يمنع قليل الأفعال وكثيرها من النائم والغافل؛ فإن الفعل الواحد عندنا محكم، وقد تصدر الأفعال الكثيرة من النائم.