
قالوا: ويستحيل صرف التفرقة إلى حكم يثبت للقادر من القدرة على التجرد، من غير تقدير تأثير في المقدور؛ فإن القادر يحس من نفسه تأتي الحركة المقدورة به، وليس سبيل تعلق القدرة بالمقدور سبيل تعلق العلم بالمعلوم والإدراك بالمدرك؛ فإن العالم لا يحس تأتي المعلوم به، وكذلك المدرك، والعلم والإدراك وإن اختلف وجه تعلقهما، فهما مستويان في أن الموصوف بهما لا يحس تأتي متعلقهما لأجلهما.
ومما أوضحوا به كلامهم: أن القدرة الموجبة لكون القادر قادرا إذا أوجبت حكمها، فلا يسوغ قصر أثرها على إيجابها الحكم لمحلها؛ لأن العاقل قبل النظر في إثبات أثر القدرة يعلم كونه قادرا، ويعلم من كونه تأتي الفعل له؛ فكيف يمكن صرف تأتي الفعل إلى كون القادر قادرا ?!
قالوا: ولا يسوغ حمل هذه التفرقة على كون المقدور مرادا، بخلاف الحركة الضرورية ؛ فإن المرء يريد حركة غيره كما يريد حركة نفسه، ثم لا يجد عند وقوع مراده من فعل غيره ما يجده عند وقوع مقدوره ومراده؛ فإنه يدرك تأتي الفعل له، ولا يدرك تأتي فعل الغير له.
ومما يعضدون به كلامهم: أن قالوا: لو لم نعتبر تأتي الفعل في حقيقة التفرقة ، لوجب أن تكون القدرة مع اللون والطعم في محل القدرة بمثابة القدرة مع الحركة والسكون؛ إذ لا أثر لها في الحركة والسكون، كما لا أثر لها في اللون والطعم.