
فيقال لهم: قد عرفتم انقسام الأشعار إلى الحقيقة والمجاز، فبم تنكرون على من يقول: إن هذا الشاعر توسع في الكلام وتجوز ? فأقيموا الدليل على ما صرتم إليه سوى هذا الشعر، وأقيموا الدليل على أن هذا الشاعر ذكر ما ذكر - من قوله: وبعض القوم يخلق ثم لا يفري - حقيقة.
وقد أطبق أهل اللسان على أن ما ذكره الشاعر مجاز؛ فإن الخلق أصله على هذه السبيل: تقدير شيء بشيء، ثم استعمل في تقدير النفوس والظنون والعزائم؛ تشبيها بالتقدير، وشبه إمضاء الأمر بقطع المقدر؛ فنفس ما استروحوا إليه مجاز، وهذا ظاهر.
ثم إن كان الخلق تقديرا، فمن التقدير: خلق شيء بقدر شيء، وهذا متحقق في أفعال الله تعالى، قال الله تعالى: (إنا كل شء خلقنه بقدر) ، وقال سبحانه: (والذى قدر فهدى)، وقال سبحانه: (وخلق كل شيء فقدرهر تقديرا).
فلم قلتم: إن تسمية الرب تعالى خالقا ليس مما تقتضيه اللغة»، وقد تلونا عليكم آيات دالة على التقدير الحقيقي في أفعال الله تعالى، وكذلك قال تعالى: (ذلك ذلك تقدير العزيز العليم)?!
وهذا متجه إلا أن يقولوا : نحن إنما ادعينا كون اسم الخالق مجازا، إذا كان بمعنى الاختراع من غير تقدير ، فإن حقق(2) فيه تقدير؛ فالاسم إذا حقيقة - فالسؤال يندفع على ذلك، ولكنهم عمموا القول بأن تسمية الله تعالى