
وقال في موضع آخر: إن كل راء لا يرى رؤيته ولا منعا من موانع الرؤية، ويجوز أن يرى شخص رؤية غيره وموانعه، وإنما لا يجوز ذلك في نفسه.
وقال في موضع: يمتنع على الرائي منا أن يرى رؤيته وموانعه، وكذلك يمتنع عليه أن يرى رؤية غيره وموانعه.
قال الإمام: وإنما حمله على هذا إفضاء القول إلى التسلسل؛ وذلك أنا إذا قلنا : إن كل موجود يصح أن يراه الرائي منا، ثم إذا لم يره فإنما لم يره لمانع، فإذا جاز أن يرى رؤية نفسه، فإذا لم يرها فإنما لم يرها لمانع قائم بالحاسة موجود، وإنما لم ير منعه لمنع ثان، ويتسلسل القول ويفضي إلى إثبات موانع لا نهاية لها . وإذا قلنا: «الرائي لا يجوز أن يرى رؤية نفسه، فقد أثبتنا موجودا لا تصح رؤيته، وهذا مخالف لأصولنا.
قال الإمام: والذي [يصح] عندي: أن الرؤية يصح أن ترى، ولا يصح رؤية الموانع، فتدبروا ما نوضحه الآن (ه14اف)؛ وذلك أنا لو قلنا: لا تصح رؤيةآ الرؤية؛ لتسلسل مرقوب في الموانع؛ للزمنا أن نقول: لا تصح رؤية الطعوم والروائح ؛ لأنها لو كانت من المرئيات، لما امتنعت الرؤية فيها إلا بموانع، ثم ينجر القول إلى التسلسل في الموانع، وهذا لا مخلص منه.
والذي يجب القطع به عندي: تخصيص منع الرؤية بالموانع؛ إذ ليس بعضها بتقدير جواز الرؤية فيه أولى من بعض، ولا سبيل إلى تعميم القول في جواز رؤيتها ؛ لإفضاء ذلك إلى التسلسل؛ فلا وجه إلا القطع بتنزيل الإدراكات منزلة ما لا نراه في العادة من الطعوم والروائح، وإن كنا نجوز رؤيتها لو خلق الله تعالى لنا الرؤية لها.