 ازعمتم أن ما ذكرتموه من أحكام الإدراكات مستند إلى ما ادعيتموه من انبعاث الأشعة وتقعدها على مطارحها ?
فإن قالوا: علمنا ضرورة وقوع الإدراكات على الوجوه المنقسمة في صورة الاستشهاد ، ولا نعلم مقتضيا لها غير ما ذكرناه.
قلنا: لا ينتصب عدم علمكم علما في إثبات ما نوزعتم فيه، وما يؤمنكم أنكم ذهلتم عن درك الصواب؛ فلا تجدون مخلصا من هذه الطلبة.
ثم نقول: بم عرفتم أن ما عولتم عليه من قضية العقل ? وما أنكرتم أن ذلك من موجب اطراد العادات ? وقد علمتم أمورا استمرت فيها العادات، وفي مقدور الله تعالى خرق العادات فيها، وذلك كاطراد العادة في إعقاب الأكل والشرب الشبع والري، وإعقاب تناول السموم زهوق الروح . وكذلك جملة الأمور المرتبة على أسباب في مطرد العادة.
ثم المسلمون مجمعون على أن هذه الأسباب ليست موجبة لتلك الأمور، ولا هي شرائط فيها في حكم العقل، وأن الرب سبحانه مقتدر على خلق هذه الأمور - أعني: الموت والحياة والشبع والري - دون هذه الأسباب، كما هو مقتدر على خلق بشر من غير أبوين. ومن تشبت بمحض اطراد العادات، جره إلى مساهمة الطامعين في منع وقوع بشر لم يحتو عليه رحم ولم ينتظمه صلب. وقد أجرى الله تعالى العادة بأنه إنما يخلق لنا الرؤية للشيء إذا كان الهواء الذي بيننا وبين ما نراه مضيئا.
ومما يلزم سالك هذه الطريقة موافقة أصحاب النجوم والهيئات، في صرفهم اختلاف أحوال الهواء في فصول السنة وغيرها من الكائنات إلى حركات الأفلاك وإلى امتزاج العناصر، وفيهم من يجتزئ في إثبات ذلك