
قلنا: قد أجبنا عن هذا، وأوضحنا: أن العاقل يدرك تفرقة بين اقتضاء الطاعة من المأمور، وبين الطلب البات، وبين ما يقدره في نفسه ويزوره من الدلالة عليه.
ثم هذه الإرادة التي أشرتم إليها - إن تبتت - فإنما تثبت مع اللفظ أو متقدمة عليه بزمان، فإذا تصرم اللفظ استحال استمرار الإرادة في جعلها وتصييرها أمرا، والذي نشير إليه من الاقتضاء الجازم قد يستمر مع تصرم اللفظ الماضي، والماضي لا يراد بل يتلهف عليه، وليس الذي يجده الآمر تلهفا على منقض وإنما هو إيجاب ناجز، وترجمته ترجمة طلب محض.
ثم ما ألزمونا من جعل الاقتضاء إرادة أو اعتقادا يلزمآهم القول به في النظر، إذ لو قال قائل: «النظر ليس جنسا بنفسه، وإنما هو إرادة علم بالمنظور فيه، أو هو من ضروب الاعتقادات»، فلا ينفصلون عن ذلك بما يوضح كون النظر زائدا على الإرادات والاعتقادات، إلا وسبيلهم يطرد لنا في إثبات غرضنا.
ومما نستدل به في إثبات كلام النفس: أن نقول: السيد إذا أشار إلى عبده بأمر، وأفهمه ذلك عن مواضعة تقدمت، ودلت تلك الإشارة العبد على الإيجاب، فلا ينكر ذلك، ولا إيجاب إلا مع تقدير أمر من الموجب، ولم يصدر منه في الصورة التي فرضنا الكلام فيها حرف ولا صوت، وقد أجمع المحققون على أن الحركات والإشارات وكشر الحاجب ورفع الرأس ليست بكلام؛ ولا وجه إلا تقدير أمر ليس بعبارة.
ونؤيلد ذلك بأمور سمعية، منها: أن الأخرس والذي لم يتمكن من