 يجده في نفسه ليس علما ولا جهلا ولا ظنا، وإنما هو أمر جازم، وقوله: «افعل ترجمة عما في الضمير ودلالة عليه، وليس هو ترجمة عن اعتقاد هو علم أو جهل.
فإن قالوا: الذي يجده في النفس إنما هو تقدير ما سيبينه ويظهره من العبارة ولصورة نظمها وترتيب حروفها.
قلنا: وأيضا: فإن المخاطب فهم من قوله: انطلق طلب الانطلاق، لا علة الانطلاق ولا إرادته لأن يقول له : انطلق، ولا يسبق إلى فهمه إذا قيل له: قم أنه يريد أن يقول له: قم. وأيضا: قد قدمنا أنه يدرك تفرقة ضرورية بين الإيجاب الذي في نفسه، وبين تقدير دلالة المخاطب عليه ليفهمه.
ثم ما أشرتم إليه إنما هو حديث النفس، وكل ما يخطر بالبال ففي النفس عنه كلام، وحديث النفس لا ينكر ولا سبيل إلى جحده، غير أن الذي فرضنا الكلام فيه إنما هو وجدان أمر جازم وطلب بات، ثم يحدث نفسه ويفكر في كيفية إعلام المأمور ما يأمره به، والعاقل يدرك تفرقة بين الحديثين.
فثبت بهذه الجملة: أن الذي يجده في النفس في الصورة المفروضة إنما هو اقتضاء وإيجاب، وهو مدلول قوله: «افعل» ومعناه، وقوله: «افعل» ترجمة عنه .