
وما ألزمناهم من فرض الكلام عند عدم الخاطرين يناظر ادعاء النبوة مع عدم المعجزة، ولو فرض كذلك لم يتوجه على أحد شيء؛ فليقولوا: من ذهل عن هذه الخواطر لا يجب عليه النظر»، وليس هذا قولهم.
فإن قالوا: لا يتصور الذهول عن هذه الخواطر بعد كمال العقل والبلوغ، ولا سيما عند بعثة الرسول ودعوته.
قلنا: هذا جحد الحس والبديهة، فكم من عاقل يعيش سنين كثيرة، ولا يخطر له هذا الخاطر?! ولا أثر لدعوة الرسول عندكم.
ثم نقول: هذه الخواطر: إما أن تكون مكتسبة أو تقع ضرورية، فإن كانت مقدورة للعبد، فذلك إلى خيرته، إن شاء أخطر بباله هذه الخواطر وإن شاء لم يخطرها؛ فدعواكم: «أن العاقل لا يخلو عنها» دعوى باطلة .
ثم نقول: بم يعلم وجوب اكتساب الخواطر: بالضرورة أم بالنظر؟ ولا سبيل إلى دعوى الضرورة، وكلامنا في الواجب الأول ، فلا سبيل إلى إسناده إلى واجب سابق عليه، وقد وافقنا الخصم على أن بمجرد العقل لا يدرك الوجوب، ولا بد من فكر يفضي إليه، وامتناع المدعو من الفكر الموصل إلى وجوب النظر، كامتناعه من النظر المرشد إلى واجب السمع.
فإن قالوا: من كمل عقله ترد على قلبه هذه الخواطر ضرورة.
قلنا: هذا أولا كذب صراح وجحد للحس.
على أنا نقول: هذان الخاطران يزجعان إلى التشكيك ، وذلك من أضداد المعرفة بالله تعالى، والمعتزلة اطبقوا على منع وقوع المعرفة ضرورية، وكيف استجازوا وقوع الثك في الله تعالى ضرورة من فعل الله تعالى ?!