
فإن قالوا: يبعث الله تعالى ملكا إلى كل عاقل في أول عقله، لينذره ويلقي في رؤعه ترديد الخواطر.
قلنا : هذه جهالة؛ فإن العقلاء لا يجدون ذلك في أنفسهم، وإن خطر للعاقل من هذا النوع شيء، فإنما يكون ذلك بعد طول التجارب. ثم من أصلهم: أنه لا يسمع إلا صوت، فإن زعموا: أن كل عاقل يسمع صوتا، فذلك جحد للحس، وإن قالوا: يحدث في قلبه فكر، فذلك مخالف لأصولهم؛ فإنهم مجمعون على إحالة توليد المعاني في القلوب. ثم إن سلمنا لهم ذلك، فالمخاطب عساه لا يكترث به ولا بوعظه، كما لا يحتفل بوعظ الوعاظ.
ثم نقول: لم قلتم: إنه إذا خطر بباله هذان الخاطران، فالعقل يقضي بوجوب النظر ? وما أنكرتم ممن يقول: إنه يعارضه خاطر آخر، فيقول: ما يؤمنك أن الفاطر أراد منك ما أنت عليه ? ولو نظرت وتدبرت وأتعبت قلبك شكرا للنعمة، فربما يعاقبك ويقول: أنت عبد مملوك، وليس لك أن تتصرف في ملكي بغير إذني. وإنما النظر يقطع نياط القلب ويؤلمه؛ إذ يقول له: من أنت حتى تقابل إنعامي بشكرك الخسيس اليسير ?! فيحمله هذا الخاطر على الكف عن النظر الموصل إلى أداء الشكر .
وقد أجاب بعض أصحابنا عن السؤال الأول بأن قال: دلالة المعجزة مستندة إلى قضية العادات، ونحن نعلم اطراد العادة في أن من ادعى النبوة، وأتى بآية بينة، وادعى اختصاصه بها، وعجز الخلائق عن الإتيان بمثلها - فالعادة جارية بتوفر الدواعي على النظر في حاله، ولا سبيل إلى تقدير خرق هذه العادة؛ إذ العادة تنخرق على وفق إرادة الرسول لا على مخالفته.