
قلنا : فما بالكم اختلفتم في معظم المسائل ?!
على أنا نقول: إنما يغرف صدق الرسل بالآيات الواضحة، ثم لا سبيل إلى معرفة الآيات وارتباطها بقول مدعي النبوة إلا بالنظر، وبم تنكرون على من يقول : إن الرسل أتوا بتلك الآيات من عند أنفسهم، كما يأتي بأمثالها السحرة ? وبم تنكرون أن يظهر تلك الآيات بعض الشياطين أو بعض الملائكة ، دون الله تعالى الذي هو مبدع الكائنات ? وهل إلى معرفة هذه الأمور طريق سوى النظر العقلي ? وهذا ظاهر.
فإن قالوا: لو كان النظر من مدارك العلوم، لما ساغ الخلاف فيه، كالحس والخبر.
) قلنا : وقد اخيلف أيضا فيما طريقه الحس، واختلفوا في الخبر أيضا؛ فقال قائلون: الهواء غير مرئية، وقال قائلون: إنها مرئية، وهو قول أصحابنا، وفيهم من قال: إنها ترى ليلا ولا ترى نهارا. واختلفوا في ماهية الضوء وحقيقة الشعاع، وفي أجناس الألوان والطعوم وأنها متناهية أو لا تتناهى . وقد اشتبه على بعض الناس العرض بالجوهر، فقال: الجواهر: هي الأعراض المجتمعة . ولا يخفى اختلافهم في الأخبار أيضا.
فإن قالوا : لا يعتد بخلاف من أنكر المحسوس.
) قلنا: وكذلك لا يعتد بخلاف من أنكر النظر.
ثم نعارضهم فنقول: ولو كان فساد النظر معلوما قطعا، لما ساغ للعقلاء