 ونعلم بالضرورة أنه سلك فيه مسلك النظار، ثم نراه يثرك هذا المذهب المصحح بالنظر على زعمه، ويركن إلى اعتقاد ضده بنظر آخر، ويدعي أن نظره الأول كان فاسدا، وأن الدليل الذي دل عليه كان باطلا، ورأيناه يناظر على المذهب الثاني، ويحتج عليه على نحو احتجاجه على المذهب الأول؛ وإذا كان كذلك، فما يؤمنا أنه لو عاش زمانا من الدهر لترك هذا المذهب المختار بنظر آخر، وأضرب عن الأول ?! وهذا يبطل التعويل على الدليل.
قلنا: كلامكم هذا يفيدكم علما أم لا ?
فإن قالوا: أفادنا وقفة وحيرة واسترابة.
)قلنا: لسنا نقول: إن كل نظر مفض إلى العلم، بل للنظر المفضي إلى العلم شرائط، فمن أخل بشرط من شرائطه، فلا يوصله إلى العلم.
على أنا نقول: مجرد الانتقال عن مذهب إلى مذهب يخالفه، لا ينتهض شبهة في أن المنتقل عنه كان باطلا، وأن المنتقل إليه يكون صحيحا؛ فقد يترك الإنسان مذهبه الصحيح؛ لشبهة تعتريه.
ثم نقول: الغالب أن الانتقال من مذهب إلى مذهب آخر، إنما يتصور في المسائل التي يبتغى منها غلبات الظنون لا غير؛ لما أوضحناه من أن التقسيم إذا كان دائرا بين النفي والإثبات، فإنه يفضي إلى العلم لا محالة.
ثم إن كان هذا المعترض من أصحاب الحصر، ويزعم أن مدارك العلوم تنحصر في الحواس - فتنعكس عليه هذه الشبهة في المحسوس؛ لاختلاط الخيالات بالإدراكات، ثم مثل هذا الأمر غير قادح في أصل الحس؛ كذلك فيما نحن فيه.