
ثم نقول: القائل قائلان: قائل يثبت النظر، وقائل ينفيه. وكل واحد من القائلين يسلم لخصمه أنه لم يصر إلى معتقده بديهة وضرورة، وفي تسليم الخصم لنا بأنهم لم يصيروا إلى معتقدهم بديهة على الهجوم: إثبات النظر، على رغم آنافهم، كما قررناهآ قبل.
قال الإمام: ونحن نقول: العلوم كلها ضرورية، غير أنها منقسمة إلى مهجوم عليها وإلى مبحوث عنها. وصحة النظر مما يدرك ضرورة بطريق البحث ؛ فإن النظر يقسم تقسيمات (،اف) ضرورية بين النفي والإثبات، وتوقفه في مدارجها ومراتبها وإسناد الثواني منها إلى الأوائل ، مع ذكر ما سبق من المراتب . وهذه التقاسيم إذا كانت ضرورية وتتبعها البحث؛ فتوجب لا محالة تعين آحادها وبطلان البواقي.
وإن أردت ضرب مثال فنقول: إذا رأينا شخصا في مكان، ثم رأينا المكان خاليا عنه، أو لم نره في المكان ثم نراه فيه؛ فيتصدى لنا تقسيم ضرورئ ؛ فنقوك : خلو المكان منه: إما لعدمه أو لانتقاله إلى مكان آخر، وكذلك شغله للمكان: إما لانتقاله إليه أو بحدوثه عن عدم، فأي واحد من الأمرين بطل تعين الآخر على الضرورة، وكذلك كل تقسيم دائر بين النفي والإثبات فهذا حكمه.
وإن أردت إيراد هذا الكلام في معرض أحسن من هذا؛ قلت: بم عرفتم أن الحس من مدارك العلوم ? فسيقولون: طريق إثبات ذلك: إما فزع العقلاء إليه عند الالتباس وإما الامتحان، فنقول: هذا سبيلنا في إثبات النظر، فنثبته: إما بفزع العقلاء إليه أو بالامتحان، وقد فرعنا من الأمرين، وفي هذا إثبات