 فقد اعترفوا بكونه لغوا وكفونا منونة الجواب. وإن قالوا: «غرضنا مقابلة الفاسد بالفاسد»، أدرنا عليهم التقسيم، وقلنا: مقابلة الفاسد بالفاسد نوع من النظر، فما قولكم فيها: أتفيد علما أم لا تفيد؟ ولا مخلص لهم عن هذا التقسيم في كلام يتكلمون به، وقصاراه: إثبات الشيء بما يدعى فيه البطلان.
فإن قالوا: وقصارى كلامكم إثبات الشيء بنفسه، ولما يتحقق ثبوته بعد؛ فقد استويا في هذه القضية.
قلنا: ولا سواء؛ فإن في إبطال النظر بالنظر تناقضا بينا، وهو الجمع بين الإثبات والنفي، وليس في إثبات جنس الشيء بنوع منه ما يناقض الإثبات، وذلك بمثابة العلم والخبر، فإنهما يتعلقان بأنفسهما وبغيرهما، فبالعلم يعلم العلم وبه يعلم سائر المعلومات.
وقال أصحابنا: سبيل إبطال النظر بالنظر، كسبيل من ينفي الصدق عن جميع أخباره بواحد من أخباره الذي نفى الصدق عنها، فيقول: «جميع كلامي كذب؛ فلا سبيل إلى معرفة صدقه وكذبه في جميع أخباره بهذا الخبر؛ فإن هذا الخبر من جملة أخباره التي حكم بكذبها. وسبيل إثبات النظر بالنظر، كسبيل من يثبت صدقه في جميع أخباره بواحد منها، فيقول: جميع كلامي صدق»؛ فيمكن معرفة صدقه في جميع أخباره بهذا الخبر من غير تناقض فيه.
قال القاضي: نحن إذا أقمنا دليلا على إثبات جنس النظر، فلسنا مثبتين للشيء بنفسه، وإنما أثبتناه بغيره، كما إذا طردنا دلالة على حدث العالم فطالبنا الخصم بإثبات تلك الدلالة، فلا نعيد تلك الدلالة، بل ثبين صحة تلك الدلالة بدليل آخر، غير أنهما يجتمعان في اسم الدليل، والنظر كذلك في مسألتنا.