
ثم ق لى الل : فإن قال قائل: قد أنكرت طائفة من الأوائل إفضاء النظر إلى العلم، وزعموا أن مدارك العلوم الحواس، فكيف السبيل إلى مكالمتهم? ... الفصل إلى آخره.
واعلم أنه لم يرد بالأوائل أصحاب الفلسفة والهندسة وأصحاب النجوم والهيئات والعناصر؛ فإن مبنى هذه العلوم على النظر العقلي ؛ إذ لا مدرك لها غيره، وهذا مما لا خلاف فيه بينهم؛ وإنما عنى بالأوائل السمنية، وهم الذين صاروا إلى أن مدارك العلوم: الحس والخبر. وكذلك القائلون بتكافؤ الأدلة، وهم أقوام ليس يثبت لهم قدم في الدين؛ فأنكروا النظر، وردوا الأقيسة العقلية والشرعية، ووجهوا على أصحاب المذاهب شكوكا، ولا مقصد لهم بأسئلتهم إلا التشكيك والتمويه.
والذي صار إليه جماهير أهل الحق: أن النظر من مدارك العلوم، كالحس
ومن حصر مدارك العلوم في الحواس، فقد أنكر العلوم البديهية التي لا سبيل للعقلاء إلى إنكارها؛ أو يلزمه الإنكار، وذلك ما يجده الإنسان في نفسه من أحواله، كأكوانه ولذاته، وكونه عالما مريدا قادرا ونحو ذلك، وكعلمه بأن هذا نهار، وأن الاثنين أكبر من الواحد، وأن الشخص الواحد لا يتصور حصوله في مكانين في وقت واحد، وكذلك يستحيل أن يكون قديما