
وأحق الناس بمنع ذلك المعتزلة؛ فإنهم قالوا: لو ثبت لله تعالى علم متعلق بمعلوم علمنا، لكان مماثآلا لعلمنا، فلو قضوا بكون ذاته تعالى في حكم العلوم؛ لألزموا كون ذاته تعالى علما، وهذا مما يأبونه.
فإن قيل : إن كان ما ذكرتموه دفعا لكلام الخصم، فبم تدفعون ذلك عن أنفسكم وقد زعمتم: أن العقل يقضي بإثبات الصفة على الجملة، والكلام في التفصيل موقوف على أدلة السمع ?
قلنا: القدر اللائق بهذا المختصر أن نقول : العقل يدل على إثبات العلم، ثم المصير إلى أن العلم زائد على النفس مدركه السمع، فإذا دل العقل على إثبات العلم، وانعقد الإجماع على أن وجود الباري سبحانه ليس بعلم؛ فيحصل من مدلول السمع والعقل إثبات علم زائد على الوجود، وكذلك الكلام في سائر الصفات.
هذا ما قاله الإمام في هذا الكتاب.
ولقد حكينا كلام أئمتنا في الانفصال عن هذا السؤال، وأزيده تقريرا فأقول: ليس ينكر في العقل وجود هو علم، ولا ينكر وجود هو قدرة أو حياة، فأما وجود هو قدرة وعلم وحياة فمما يأباه العقل والسمع؛ لاستحالة اجتماع حقيقتين متباينتين لمحقق واحد، لا سيما ولكل واحد منهما ضد يخصه، ولا يقوم أحدهما مقام الآخر، والوجود المرسل غير موصوف بصفة: غير معقول. ولا بد من هذه الأوصاف لله تعالى؛ فإنها مدلول العقل؛ فالوجه أن يقال: موجود ذو صفات.