
والذي يدل على ما قلناه: أن الحدوث ليس من شرط دلالته على مدلوله: تقدير دليل آخر متعلق بمدلول آخر، ولو قلنا: «إذا دل وجود على وجود دل عدمه على عدمه كنا قدرنا العدم دليلا، وليس من شرط تقدير دليل: تقدير دليل آخر متعلق بنقيض الأول ؛ يحقق ما قلناه: أنه يجوز أن يدل على المدلول الواحد أدلة مختلفة، إذا قدر انتفاء بعضها استقل بقية الأدلة بالدلالة على المدلول، فلو قدرنا عدم الدليل - الذي فرضنا عدمه - دالا على انتفاء المدلول، للزم انتفاؤه لعدم بعض الأدلة وثبوته لثبوت سائرها.
ففلل
إذا قام دليل على تعليل حكم من الأحكام وقضي بكونه معللا؛ فمهما يقدر حكم مساو للحكم الذي ثبت تعليله، في الوجه الذي اقتضى الحكم التعليل - فيجب القضاء بتعليل الحكم غائبا، وإن لم يقم عليه من الدلالة مثل ما قام على الحكم شاهدا.
مثاله: أنه إذا قام الدليل على أن كون العالم منا عالما معلل بالعلم، وكان الدليل المفضي إلى التعليل جواز ثبوت هذا الحكم وجواز انتفائه، مع بطلان سائر وجوه الاقتضاء عدا العلة؛ فإذا تقرر ذلك قلنا: إذا اتصف الباري سبحانه بكونه عالما، وجب صدور هذا الحكم عن الموجب؛ طردا للعلة الثابتة شاهدا .
وأنكرت المعتزلة ذلك، وقالوا: إذا كان الدال على ثبوت العلة للحكم شاهدا جواز الحكم، وهذا الدليل ليس يتحقق في كون الباري تعالى عالما؛ فإن هذا الحكم واجب له - فلم يتقرر في حكمه الدليل المتقرر في حكمنا.
قلنا لهم: ما المانع من ثبوت التعليل شاهدا بدليل، وثبوته بدليل آخر