
قال القاضي: ثم اعلم أن الدليل : إما أن يكون إثباتا وإما أن يكون نفيا، ثم الإثبات قد يدل على الإثبات وقد يدل على الانتفاء، وكذلك النف قد يدل على انتفاء مرة وعلى إثبات أخرى؛ فإذا دل إثبات على إثبات عقلا، فالمراد بذلك استحالة انتفاء المدلول مع ثبوت الدليل، وهذا كدليل الحدوث على المحدث، وإذا دل إثبات على نفي عقلا، فالمعني بذلك: استحالة تقدير الثبوت فيما اقتضى الدليل نفيه ، وهذا كدلالة استحالة التعري عن الحوادث على انتفاء القدم أو كدلالة السواد على انتفاء أضداده، وهكذا السبيل فيما يكون نفيا من الأدلة.
الدلالة شرط صحتها: الاطراد، وليس من شرط صحتها: الانعكاس، بخلاف العلل؛ وذلك أن العلة موجبة، ففي عدم انعكاسها إبطال الإيجاب، والدليل هو الكاشف؛ فلا يجب انعكاسه. ولا استبعاد في أن يتبت شيء من غير انتصاب دليل عليه(3) ؛ فالحدوث يدل على المحدث، وعدمه لا يدل على عدمه، والإتقان يدل على العلم، وعدم الإتقان لا يدل على عدم العلم.