
ومن أصحابنا من أجاب عن هذا بأن قال: المعلوم واحد، وتعلق به علمان مختلفان إذا علم حدوثه ووجوده، وطريق العلمين مختلف، أحدهما دليل والآخر إدراك، وهو كمن يدرك الجوهر رؤية ولمسا، فالمذرك والمعلوم واحد بإدراكين وعلمين مختلفين.
ومنهم من قال: إن العلم بوجوده هو العلم بحدوثه، إلا أنه لم يعلم وصف علمه وأنه يعلم المحدث، لأن العلم حتى يعلم علما يحتاج إلى علم آخر سواه.
وهذا على أصل من يقول: العلم الواحد الحادث لا يتعلق بأكثر من
فإن قيل: إذا انفصل العلم بالوجود عن العلم بالحدوث لم يجز أن يكون معلومهما واحدا ، سيما إذا كان أحد العلمين ضرورة صادرة عن الرؤية، والآخر - وهو العلم بالحدوث - صادرا عن الدليل؛ فثبت أن لكل علم معلوما.
قلنا: تعلق العلمين بمعلومين، وهما موجودان، فأما أن يكون أحدهما موجودا والآخر لا يتصف بالوجود ولا بالعدم فلا؛ وذلك أن العلم الضروري تعلق به من طريق الرؤية، فعلم وجوده، والعلم بحدوثه تعلق به إلا أنه تعلق بانقطاعه، وهو وجوده من وقت معلوم، وهذا غير مدرك؛ لأنه حالما يراه ليس يرى وجوده في وقت حدوثه، مع أن العلم بوجوده حادثا علم بوجوده متضمنا بعلم آخر، وهو عدمه قبل وجوده؛ فكأنه حصل عند العلم بحدوثه. ثلاثة علوم.