
ونحن قد أوضحنا بطلان هذه الشبهة عليهم بالأحوال؛ لاشتراكها في الثبوت وكونها أحوالا واختلافها في المقتضيات، ثم الصفة لا توصف، فإن جاز الاكتفاء بالأحوال عن الأحوال جاز الاستغناء بالذوات عن الأحوال ، وقد تبت أن السواد موجود واحد، وكذلك البياض؛ فلا معنى لصفات لا تتصف بوجود ولا عدم يقع بها الاختصاص، من غير أن يعقل فيها الاختصاص ، ولكن قد يعلم الشيء من وجه ويجهل من وجه.
فإن قالوا: عبرتم عن الأحوال بالوجوه.
قلنا: هذا ظن منكم ظننئموه بنا، فنحن لا نثبت ما لا يتحقق فيه الثبوت والوجود، إلا أن الشيء يعلم مع غيره مرة ويعلم منفردا عنه مرة، وهذا معنى العام والخاص، وذلك إلى اصطلاح أهل اللسان؛ حيث جعلوا اللون اسما يعم أصناف اللون، وجعلوا العرض اسما يشمل أصناف المعاني المحدثة؛ فالعموم والخصوص راجعان إلى الأسماء؛ فإن الذات الواحدة ليس فيها عموم ولا خصوص.
ومن علم أن له في هذا البلد أختا من الرضاع مثلا، أو في هذا الكيس درهما، وليس يدري عين المعلوم - فقد علم وجهل، ولا يقال: إن علمه وجهله يرجعان إلى أحوال، وإنما هي إضافات ونسب، وأمثلة هذا تكثر.
والجوهر له أحكام وأوصاف، يغلم بعضها ويجهل بعضها، وليس جملة أوصافه التي يصح العلم بها أحوالا عند مثبتيها؛ فإن الجوهر قائم بنفسه، مستعن عن محل، وله حظ من المساحة، ومحدود، وقابل للأعراض، ومتناه، وإنه جزء واحد غير منقسم، ويصير بانضمام مثله إليه جسما، وإنه ممائل للجواهر، ومغاير للأعراض، إلى غير ذلك من الأوصاف التي يجوز أن يغلم