 506
أما الرد على الكعبي ومتبعيه: فسيأتي في كتاب الإدراكات، ونوضح هناك: أن الإدراك معنى زائد على العلم، ولو ساغ رد الإدراك إلى العلم لساغ رد القدرة إلى الحياة؛ فإنه لا معنى لكون القادر قادرا أكثر من كونه حيا.
وأما الرد على الجبائي وابنه: فسيأتي أيضا، ولو ساغ صرف الإدراك إلى الحياة مع انتفاء الآفة، لساغ صرف القدرة والعلم إلى ذلك . على أن كون المدرك مدركا حكم ثابت، وحال يحسها الحي الذاكر من نفسه زائدا على حياته، ثم لا يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين إحداهما نفي.
والدليل على أن الباري تعالى سميع بصير على الحقيقة: أن الأفعال دالة على كونه سبحانه حيا، والحي يجوز أن يتصف بكونه سميعا بصيرا، فإذا لم يكن سميعا بصيرا لزم اتصافه بكونه ميوفا2 ؛ إذ كل قابل لنقيضين على البدل لا واسطة بينهما يستحيل خلوه عنهما، وإذا ثبت استحالة كونه منوفا تعين اتصافه بكونه سميعا بصيرا.
فإن قال قائل: بنيتم كلامكم هذا على قبول الباري سبحانه الاتصاف بالسمع والبصر، فبم تنكرون على من يأبى ذلك وينكره، ويزعم أن الباري تعالى يستحيل عليه قبول السمع والبصر وأضدادهما، كما يستحيل عليه قبول الألوان?
قلنا: قد أوضحنا: أن الحي شاهدا قابل للاتصاف بالسمع والبصر، وإذا تقرر ذلك سلكنا طريق السبر والتقسيم، وقلنا : الجماد لا يقبل الاتصاف بالسمع والبصر، وإذا اتصف بالحياة تهيا لقبولهما إن لم تقم به آفات، ثم إذا