
وقد أشار في دعوى الضرورة إلى نكتتين، يمكن تحريرهما في معرض الأدلة؛ وذلك أن الموجودات تنقسم: إلى ما يصح اتصافه بكونه قادرا عالما، وإلى ما لا يصح ذلك فيه، ثم لا يصحح السبر صفة يقع بها الميز بين القبيلين إلا الحياة، فالحياة شرط كل قادر عالم، ويستحيل ثبوت المشروط دون الشرط، ولأن القادر العالم من قامت بذاته القدرة والعلم، والعلم والقدرة يستحيل قيامهما بالجماد.
وقد بينا في باب إثبات العلم بالصانع: أن الجائز ثبوته والجائز انتفاؤه لا يحتص بالثبوت إلا بمخصص مقتض، ثم المقتضي: إما أن يقتضي الشيء إيجابا، وإما أن يقتضيه إيجادا وإيثارا، والمؤثر للشيء على غيره لا بد أن يكون حيا قادرا عالما مريدا، والجماد يستحيل منه الإيثار والإيجاد.
وإذا قيل للقاضي: سبيل الوصول إلى العلم بالصانع الاستدلال، والعلم بكونه موصوفا بهذه الصفات تقول: إنه ضروري، وهو فرع له؛ فكيف يستقيم ذلك?!
فقال: لا يمتنع ثبوت العلم اضطرارا في فرع مع الاستدلال في الأصل، وهذا كما أن العلم بتضاد المتضادات ضروري، والعلم بثبوت الأعراض نظري، وكذلك العلم بكون العرض ضدا لغيره استدلالئ.