
فتبت على أصولنا: استقامة الدلالة والتفصي عن السؤال، ولم تستقم لمخالفينا من المعتزلة؛ فإن جمهورهم صاروا إلى أن الظلم مقدور لله تعالى، إلا أنه لا يقع منه ؛ لعلمه بقبحه وغناه عن فعله؛ فنقول لهم: لو جاز لكم إطلاق القول بأن الظلم مقدور ولا يجوز وقوعه، ساغ للثنوية أن يقولوا: إن الاختلاف بين القديمين ممكن، ولا يجوز وقوعه؛ لما فيه من التناقض.
* فإن قالوا: هذا الذي ألزمتمونا ينعكس عليكم في خلاف المعلوم وظهور ما يخرق العادة على أيدي المفترين.
فقد أجبنا عن ذلك بما فيه مقنع، وأوضحنا: أن دلالة الصدق يستحيل وجودها مع المفتري الكاذب؛ فهو غير مقدور إذا؛ فقولوا في الظلم كذلك. وأما خلاف المعلوم فإنهم ملتزمون عين ما ألزمونا؛ فقد استوى القدمان.
على أنا نقول: المعني بقولنا: إن خلاف المعلوم مقدور: أنه لا يمتنع كونه لمعنى يرجع إلى نفسه وجنسه، ولا يمتنع أيضا لنقص في تعلق القدرة، وما يخرج عن المقدور إنما يخرج لأحد هذين الوجهين. فلو قيل: فهل يجوز وقوعه ? قلنا : إنما يجوز وقوعه على تقدير كونه معلوما لله تعالى، كما بيناه.
قلنا : لا يستمر لكم ذلك؛ فإنا إذا قدرنا الوقوع في الشيء، فقدزناه معلوما؛ فليس في تقديره معلوما تغيير صفته وتبديل جنسه؛ إذ لا وضف للمعلوم بكونه معلوما رآجع إلى ذاته، وأنتم أضفتم منع وقوع الظلم إلى جنسه، فلو قدر واقعا للزم قلب جنسه؛ فقد وضح افتراقنا في ذلك:.