
ونقول لهم: أتدعون أن عيسى قتل وصلب? فما قولكم فيه وهو على الصليب: أكان ناسوتا أم لاهوتا أم كلاهما ? فإن كان ناسوتا محضا؛ فلم يقتل المسيح إذا؛ فإنه كان لاهوتا وناسوتا. وإن قالوا: كان لاهوتا وناسوتا»؛ فيلزم من ذلك وقوع القتل على اللاهوت، وهذا خروج من الدين، وقد أخبرنا الصادق بأنه لم يقتل ولم يصلب وقد شبه لهم.
فإن قالوا: بالطريق الذي علمتم هجرة محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، وخروجه إلى غزواته، وأن وفاته كان بالمدينة - بمثله نعلم أن عيسى قتل وصلب.
*قلنا: إنما علمنا ذلك بأخبار أقوام بلغوا حد التواتر، بحيث لا يتصور منهم التواطؤ على الكذب ، مع استجماعهم شرائط التواتر، وقد نقله الخلف عن السلف، واستوى الطرفان والواسطة.
وأما أنتم فلا يستقيم لكم فيما نقلتموه ما استقام لنا؛ فإن الذين شاهدوا تلك الواقعة كانوا نفرا يسيرا على زعمكم؛ فلا يثبت العلم بإخبارهم، وقد قيل: كانوا أربعة: لوقا ومتى ويوحنا ومرقس، وقيل: كانوا أكثر من أربعة، وبالجملة: لم يبلغوا التواتر.
ثم لو سلمنا لكم أن الذين شاهدوا ذلك كانوا كثيرين، ناقض ما ادعيتموه أنهم رأوا شخصا مصلوبا على صورة عيسى، فتوهموا أنه هو، فما يدريكم صدقهم? وقد قال تعالى: (وما قتلوه وها صلبوه ولان شبه لهم)، ثم قال تعالى: (وإن الذين اختلفوا فيه) أي: من اليهود والنصارى (لى شكلة منة ما لهم به من علمر إلا لتباع الظن وما قتلوه يقينا ( بل رفعه الله إليه)5].
وإنما يفيد الخبر المتواتر علما بما يدرك بالحس حقيقة دون ما يتوهم