
فأما نحن فأقصى ما يطالبوننا في هذا الباب: أن يقولوا: إذا لم يمكنكم الإشارة إلى ذاته وإلى جهته؛ فقد خرج عن كونه معقولا.
قلنا: لم يخرج عن كؤنه معقولا بالدليل، ولكنه يخرج عن كونه متصورا في الأوهام، وهذا ما نعتقده وندين الله تعالى به؛ فإنا إنما نتوصل إلى معرفته سبحانه بأفعاله وآياته التي أقامها على إلهيته، كما تلوناها في صدر الكتاب ونبهنا عليه، ونجعل قدوتنا في ذلك الخليل وموسى وغيرهما من الأنبياء.
وقد قال الخليل : (إن وجهت وجهى للذى فطر السملوات والأرض) [الأنعام: 9، وأمر نبي صى الله عليه وسلم ان نفتتح الصلاة بذلك، ثم قال سبحانه: (وتلك حجتنا عاتيناها إبراهيم على قومهء نرفع درجات من نثآء) ، وقال موس ل اللل علي : (ربنا ألذى أعطى كل شيء خلقهو ذر هدى)، وقال له فرعون: (وما رب العالمين قال رب السموات والأرض...)[اء] الآيات.
وإذا كان الموصل إلى معرفته سبحانه أفعاله، فكل ما يدل الفعل لأجله على الإله سبحانه - من: التقدير والاختصاص بالصفات الجائزة - يجب تقديس الرب سبحانه عنه؛ فيتعين كونه مخالفا لأفعاله، وهي: الجواهر والأعراض؛ فانفرد بجلاله وعزته عن خصائص الجواهر والأعراض، وإذا كان كذلك فلا تتطرق إليه الأوهام والأفكار.
فإن قيل : الإله سبحانه هل يدرك بالعقل ؟ فإن قلتم: «لا»، فكيف نعبد من لا يدرك بالعقل ?! وإن قلتم: إنه مدرك»، فإنما يدرك الشيء بحده، وما لا يعرف له حد يدرك به فهو معدوم!!