
فأما الكلام على المجسمة: فمما نفاتحهم به أن نقول: إن سميتم الباري تعالى جسما، وأثبتم له حقائق الأجسام: من التركيب، والتأليف، والاختصاص ببعض الأشكال والأقدار - فقد تعرضتم لأمرين: إما أن تنقضوا دلالة حدث الأجسام؛ فإن مبناها على قبولها التأليف والمباينة ونحوها، وإما أن تطردوها وتقضوا بقيام دلالة الحدث على كل جسم متألف، وكلا الأمرين خروج عن الدين.
ومن زعم منهم: (54 اف) أنه لا يثبت لله تعالى أحكام الأجسام، والمعني بتسميته جسما: الدلالة على وجوده وقيامه بالنفس وقبوله الصفات - فهو في ذلك متحكم، وسندل على فساد هذا القول فيما بعد، إن شاء الله.
فأما الرد على من وافق في المعنى وأثبت لله تعالى حقائق الأجسام: ففيما أشرنا إليه مقنع.
وإن أردت بسط القول فيه، فقل: لو تركب القديم من جزأئن فصاعدا، لم تخل القدرة والعلم والحياة وسائر الصفات: إما أن تقوم بكل جزء، وإما أن تقوم بواحد من الأجزاء المتألفة، وإما أن تقوم كل صفة بجميع الأجزاء، ونفرض الكلام في الصفة الواحدة.
فإن قال الخصم: «تقوم بكل جزء قدرة»؛، فيلزم منه: أن يكون كل جزء مخترعا، وفيه تصريح بإثبات إلهين أو آلهة؛ فإن الذي يحيل إثبات قديمين مخترعين منفصلين يمنع ويحيل ذلك، ويقوم واضح الدليل على استحالته لو كانا متصلين، ودلالة التمانع تطرد في البابين.