
فإن قالوا: كان للطبائع محال، وهي الفضاء، وهو قديم.
قلنا: الفضاء : إما أن يكون في حكم الجوهر أو في حكم العرض، وقد ثبت حدوثهما.
ثم نقول: هل للفضاء مكان أم لا ؟ فإن جاز ثبوته لا في مكان، جاز مثل ذلك في الطبائع، وإن كان في مكان؛ فيلزم أن يكون للمكان مكان، إلى ما لا نهاية له.
ثم نقول: هذا الفضاء إن كان من جنس الطبائع فهو الطبائع، وإن كان مخالفا لها، بطل قولكم: إنه لا شيء إلا وفيه الطبائع.
ثم نقول: هذا الفضاء: إما أن يكون هو الخلاء الذي حكموا بتناهيه، أو هو غيره، أما الخلاء فهو عبارة عن الأحياز وعن الفراغ الذي إذا وجد به الجواهر أخرجته عن كونه خلاء وفراغا، وليست هي موجودة، بل هي تقديرات وهمية، يقدرها المرء في وهمه؛ ليعرف بها الجواهر وأقدارها.
وعند هؤلاء: أنها ثابتة متناهية.
وعند المتكلمين: لا نهاية لها حكما.
ومعنى قول الدهرية: «إنها متناهية»: اعتقادهم وجوب وجود هذه الأجرام والأفلاك في مراكزها، واستحالة ثبوت غيرها معها، واستحالة انتقال هذه الأجرام عن مراكزها.
وهذا مركب صعب، من استوطاه خرج عن المعقول، وانسد عليه الفرق بين الجائز والواجب والمستحيل.