
قلنا : لم قلتم: وجب أن يكون تاركا في الأزل ?! وما أنكرتم ممن يقول: إنه في الأزل لم يكن فاعلا ولا تاركا؛ لاستحالة الفعل والترك في الأزل؛ فإن الترك فعل أيضا ?
على أنا نقول: التضاد في الأعراض إنما يقع لخصوص أوصافها في المحال، والفعل بوصف كونه فعلا لا ضد له.
وهذا هو الجواب عن قولهم: لو كان الرب سبحانه فاعلا لكان مختارا، والمختار: من يؤثر الشيء على ضده.
قلنا: هذا إذا كان له ضد، فأما إذا لم يكن له ضد فيؤثر الفعل ويريده، من غير أن يكون هناك ضد يختاره عليه.
ثم نقول: إن الذي لم يكن صانعا ثم يصير صانعا، إنما يصير صانعا بحصول المصنوع لا غير؛ فإن الفعل لا يقوم بذات الفاعل، فلا يوجب له حالا ولا صفة ذاتية، فلم يكن الأول فاعلا لعدم الفعل ثم صار فاعلا لوجود الفعل.
ومثاله) على زعم الطبائعيين: أن جمال المعشوق وملاحته تؤثر في العاشق؛ فيصير مؤثرا فيه، لا لانقلاب المعشوق، بل العاشق انقلب عما كان عليه قبل التأثير . وكذلك الماهر في الكتابة، يزعمون أنه كاتب بالقوة، ثم يصير كاتبا بالفعل، من غير ما حاجة به إلى شيء بعينه خارج؛ فإن عدم الفعل منه ليس بنقص في ذاته، بل هو لفرط الكمال في نفسه، وأنه مهما أراد كتب.
فلم تنكرون على من يقول: إنه كان قادرا على الإبداع قبل أن أبدع،