
فمن ذلك: قولهم: لو كان العالم محدثا لكان حدوثه: إما أن يرجع إلى نفسه وعينه؛ فيجب أن يعلمه من يعلم نفسه، وليس كذلك. وإن كان حدوثه لمعنى، فلا يخلو: إما أن يكون قديما؛ فيلزم الحكم بقدم موجبه، وفيه القول بقدم العالم، وإن كان حادثا؛ فالقول في حدوثه كالقول في حدث العالم ويلزم أن يكون حادثا أيضا لمعنى، فيتسلسل القول عند ذلك .
وهذا الذي ذكروه باطل، وأقرب ما يلزمهم عليه: أن يعارضوا بمثله في القدم، فيقال: إذا حكمتم بقدم العالم فلا يخلو: إما أن يكون قديما لنفسه أو لمعنى، فإن كان قديما لنفسه، فكل من يعلم نفسه يجب أن يعلم قدمه، وإن كان لمعنى فيتسلسل القول فيه في قدم المعنى.
على أنه يجوز أن يعلم الشيء من وجه ويجهل من وجه؛ وقد قال بعض أصحابنا: الحدوث ينبئ عن معلومين: أحدهما: الوجود، والثاني: العدم المتحقق قبل الوجود؛ فلم يلزم من العلم بأحدهما العلم بالثاني. وقال الكعبي: الدهري يعلم عين العالم ولا يعلم حدوثه؛ لأن العلم بالحدوث علم بالمحدث.
9 ومن ذلك: قولهم: الصانع بالقوة لن يصير صانعا بالفعل إلا بسبب أوجب خروجه من القوة إلى الفعل، وذلك يوجب تغيره عما كان عليه، وذلك ممتنع.
وقرروا هذه الشبهة عند أنفسهم بأن قالوا: إذا لم يفعل في الأزل وجب أن يكون تاركا للفعل، والترك ضد الفعل؛ فيجب أن يكون قديما، وإذا كان الترك قديما فيستحيل الفعل فيما لا يزال، فإن القديم لا يجوز عليه العدم.