
وخالف النظام وبعض الفلاسفة في هذا، وإذا استبان للعاقل مرادنا بتجانسها؛ فلا يليق به مخالفتنا في ذلك.
ثم من أصلهم: أن الهواء يخالف النار، فإن عنوا به: أن أعراضهما تختلف، فذلك مسلم، وإن عنوا باختلافهما: الاختلاف في الصفات النفسية، فذلك محال؛ فإن ما يقبل لونا يقبل كل لون، وما يقبل الحرارة يقبل البرودة.
فإن أنكر الخصم ذلك، فسبيل الكلام عليه: أن نوضح أن جملة صفات النار - كالحرارة واللون والإحراق - أعراض مغايرة لجرم النار، وكذلك يستحيل بقاؤها ويجوز انتفاوها بأضدادها كما يجوز ذلك بأمثالها، ولا يبعد اتصاف الهواء بأوصاف النار واتصاف النار بأوصاف الهواء؛ فإن الجرمين مستويان في الجرمية وتعاقب الأعراض عليهما، وهذا ما نعنيه بالتمائل، فإن ساعدنا الخصم عليه وخالفنا في العبارة؛ فقد آل النزاع إلى التسمية.
وإن ادعى أن صفات النار واجبة وصفات الأرض واجبة للأرض، وكذلك صفات الهواء والماء؛ فنقول: إذا اعترفتم بالمغايرة بينها وبين صفاتها، فقد بطل دعوى وجوب الصفات لها في حكم العقل، واستبان أن الوجوب المشار إليه راجع إلى جري العادة.
وقد نقول: إن العلم بمجاري العادات يلحق بالضرورات، فيعلم: أن الخبز يشبع وأن الماء يروي وأن النار تحرق وتسخن، على معنى: أن الفاطر تعالى يخلق هذه الأفعال وهذه الأمور عندها، ويجوز انخراق العادة فيها في بعض الأحايين لأمر ما؛ ولذلك لا يمتنع أن يخلق الله تعالى في جرم الأرض خفة النار وحرارتها فيسمى نارا، أو على العكس فيسمى جرم النار أرضا، إذا