
فإن قالوا: كل ما كان من أثر القدرة وجب أن يكون (115ف) إلى خيرة القادر: إن شاء فعله وإن شاء تركه، ثم الصفات تنقسم إلى الواجب والجائز، والواجب منها لا يتوقف ثبوته على الفاعل؛ فتعين صرف الجائز منها إلى كون القادر قادرا ؛ فثبت أن كون الذات ذاتا وجوهرا وعرضا لا يثبت بالقدرة ولا يتوقف ثبوتها على الحدوث المقدور.
وهذا الذي ذكروه باطل؛ فإن كون الجوهر جوهرا ذاتا هو عين كونه موجودا عندنا، وتصوير جوهر أو عرض غير موجود تحكم محض.
على أن ما قالوه يبطل عليهم بما أثبتوه من الصفات التابعة للحدوث، فلا تنكرون على من يثبت الصفات التابعة الواجبة - على زعمهم - لدى الحدوث، كالتحيز وقيام العرض بالمحل ونحو ذلك، فإن ثبوت هذه الصفات لازم عندهم وليس من أثر القدرة، ثم لم يثبتوها قبل الحدوث، فبم تنكرون على من يثبت سائر صفات النفس على اللزوم عند الحدوث ? وهذا لا جواب لهم عنه.
ثم إن ساغ لهم أن يقولوا: حدوث العرض مقدور، وقيامه بالمحل واجب مع الحدوث غير مقدور، ساغ أن يقال: لا، بل قيامه بالمحل هو المقدور، ويتبت معه الحدوث واجبا غير مقدور؛ فإنهم لو حاولوا فرقا بين وجود العرض وبين قيامه بالجوهر، أو بين وجود الجوهر وبين تحيزه بحيث يتميز أحدهما عن الآخر - لم يجدوا إليه سبيلا.