
فإن قال قائل: ما أنكرتم أن العقل معنى غير العلم، إلا أنه يلازمه ملازمة الشرط المشروط، أو ملازمة الإرادة للعلم وملازمة الألم للعلم?
* قلنا: إن كان العقل من صفات الحي، فمن ضرورته: أن يدركه الحي من نفسه إذا لم يكن غافلا ذاهلا ، وإذا رجعنا إلى أنفسنا لم نحس من أنفسنا معنى يغاير العلم هو العقل؛ إذ لا نحس معنى يدرك به العلم غير نفس العلم.
على أن هذا: إثبات معنى مجهول لا يدل عليه دليل، وإثبات معنى لا يحسه الإنسان من نفسه، مع كونه من صفات الحي، ولا يدل عليه دليل - تحكم محض، ولو جاز هذا لجاز أن يقال: «الموجب لكون العالم عالما معنى غير العلم، إلا أن العلم شرط في ثبوت ذلك المعنى؛ فثبت بهذه الجملة: أن ما تخيلتموه عقلا فهو العلم لا غير.
وأيضا: فإن التغاير بين الشيئين قد يدرك بمفارقة أحدهما الآخر بوجه، وقد يدرك باختلافهما في التعلق والحكم والفائدة، وبمثل هذه الطرق حكمنا بتعدد صفات الإله، وبذلك نعلم مغايرة الحياة القدرة ومغايرة الأمر الذي في نفس الحي منا الخبر.
وأيضا: فلو كان العلم شرطا في العقل، لجاز تقدمه عليه كالحياة مع العلم، ولما استحال ثبوت العلم - الذي جعلناه من العقل - دون العقل ومتقدما على العقل، بطل كونه شرطا.
وإنما أطنبت في تقرير هذا الفصل؛ لأن الشيخ الإما لى الله عله ل كر في «أصول الفقه»: أن العقل معنئ يدرك به العلم وجملة صفات الحي(1)، وكان (1) عبارة إمام الحرمين في كتابه البرهان 96/1 هكذا: «العقل: صفة إذا ثبتت تأتى بها التوصل