 بطلان هذا المذهب، ووجب القطع بحدوث العقل.
ثم الحادث: إما أن يكون جوهرا وإما أن يكون عرضا، وباطل أن يكون العقل من قبيل الجواهر؛ لما قام من الدليل على تجانسها، فلو كان جوهر ما عقلا لكونه جوهرا ، لكان كل جوهر عقلا .
والذي يحقق ذلك: أن كون العاقل عاقلا حكم له بمثابة كونه عالما قادرا، وكل حكم ثبت لذات يستحيل أن يكون الموجب لذلك جوهرا؛ فإن الجواهر لها الأحكام من الأعراض القائمة بها، وهي لا توجب الأحكام، والجوهر لا يقوم بالجوهر أصلا . ولو جاز أن يكون العقل جوهرا لطيفا في البدن، لجاز أن يكون العلم جوهرا، وكذلك سائر صفات الحي.
وإذا بطل كون العقل جوهرا تعين كونه من قبيل الأعراض، وباطل أن يكون غير العلوم؛ إذ لو كان غيرها لصح أن يتصف بالعقل على الحقيقة من لا يعلم شيئا ؛ فدل أنه من قبيل العلوم.
فإن قيل : أليس الغافل والنائم والساهي يسمى كل واحد منهم عاقلا، وليس له علم?
قلنا: تسميئنا إياه عاقلا بمثابة تسميتنا النائم والغافل عالما أو مؤمنا، وبمثابة تسميتنا الساكت ناطقا، ومن ذهل عن الشيء لا نسميه عالما بما هو ذاهل عنه ؛ كذلك فى مسألتنا لا نسميه عاقلا بالشيء الذي هو غافل عنه . وأما الغافل عن الأشياء كلها المبهوت قد يسمى عالما، على معنى: أنه على وصف يتأتى منه تحفظ العلوم وتذكرها؛ كذلك تسميته عاقلا على هذا التأويل. يحقق ما قلناه: أنه ما من جنس من أجناس العرض إلا ويجوز تقدير العقل مع عدمه إلا العلوم وما يصححها من الحياة.