
وقد تمسك الأصحاب أيضا: بأن الإجماع منعقد على أن العبد مأمور بالمعرفة ومثاب عليها ومعاقب على تركها، وإنما يؤمر العبد بما يدخل تحت قدرته، وكذلك إنما يثاب ويعاقب على ما هو مقدور له؛ ولذلك وجدنا الناس يجتهدون في تحصيل العلوم واكتسابها، ويسلمون أولادهم إلى المعلمين وإلى أصحاب الحرف والصناعات لتحصيل العلوم.
قال الإمام: الأمر المتعلق بالمعارف إنما هو أمر بالتسبب إليها، والنظر من الأسباب المفضية إلى العلم، وهو المقدور دون العلم، وهكذا الكلام في الثواب والعقاب والمدح والذم.
والتفرقة التى ذكرها الأصحاب إنما هي راجعة إلى ما ذكرنا: من حصول بعض العلوم ابتداء من غير سبب ولا تكلف، ومن وقوع بعضها مرتبا على أسباب.
قالوا: فالعلوم لا تختلف في صفات أنفسها باستناد بعضها إلى سبب واستغناء بعضها عنه، والنظر تردد في أنحاء العلوم الضرورية بتقسيمات منحصرة في النفي والإثبات، فإذا انقدح للناظر إحدى الجهتين إما بالثبوت وإما بالنفي، تعين له الجهة الثابتة على الضرورة.
قال: وسبيل تضمن العلم كسبيل تضمن الإبصار وسائر الإدراكات العلم، والعاقل لا يجد تفرقة بين علمه الحاصل عقيب الإدراكات وبين علمه الواقع عقيب النظر الصحيح، فلين ساغ أن يكون أحد العلمين مكتسبا ساغ في الآخر ذلك، والجامع بينهما: أن كل واحد منهما ليس واقعا على حكم إيثاره واختياره، وإذا وقع فلا سبيل إلى دفعه.