 وعلمه بنفسه وآلامه ولذاته، استبان له الفرق بينهما على القطع، فلو كان العلم عقيب النظر ضروريا؛ لنزل ذلك منزلة سائر العلوم الضرورية.
فإن قالوا: إنما يجد الفرق؛ لارتباط علمه بنظره، ونظره مقدور له، والإضراب عنه إلى اختياره، وليس كذلك سائر العلوم الضرورية؛ فإنها تنقسم إلى علوم بدهية وإلى علوم تستند إلى أسباب غير مقدورة.
قلنا: هذا لا ينجيكم؛ فإنه مع إدامة ذكر النظر واستصحابه، يقطع بالفصل بين علمه بالجزء الفرد ودقائق الأكوان وبين علمه بنفسه وبأن الاثنين أكثر من الواحد.
فإن قالوا: العلم وإن كان مقدورا، فهو من جنسه إذا كان ضروريا، فلا معنى لادعاء فرق بين صفتي العلمين؛ فإن المتماثلين يستحيل اختلافهما في صفة النفس، فلا معنى لصرف التفرقة التي ذكرتموها إلى العلمين؛ فلم يبق إلا صرفهما إلى تقدير قدرة في إحدى الحالتين وتقدير انتفائها في الحالة الأخرى، وإذا كان كذلك فبم تنكرون على من يصرف القدرة إلى السبب المتضمن للعلم ابتداء ودواما دون العلم?
قال أصحابنا: هذا غير سديد، فإن العاقل ليس يجد فرقا بين قدرته على نظره وبين عدم قدرته على علمه، وإنما يجد التفرقة متعلقة بين العلمين؛ فلم يبق إلا صرف التفرقة لى تعلق القدرة بنفس العلم.
قال الإمام: الجواب سديد، والسؤال على الجملة مخيل(). (1) أي : من جنس العلم المستغرق لكل من العلم الكسبي والضروري.