
وأما الذين قالوا: النظر يتضمن العلم ضروريا، فيقال لهم: علمكم بأن هذا العلم يقع ضروريا: ضروري أم كسبي ? فإن زعموا أنه ضروري، فيقال لهم: الضروري عندكم على قسمين: أحدهما: ما يتضمنه النظر، والثاني: ما لا يتضمنه النظر، فمن أي القبيلين هذا العلم? فإن ادعوا أنه من الضروري الذي لا يتضمنه النظر، فقد باهتوا وادعوا الضرورة في غير موضعها، وإن زعموا أنه مما يتضمنه النظر سئلوا عنه.
فإن قالوا : الدليل عليه: أن الناظر إذا تم نظره وانتفت الآفات عنه، فلا بد من حصول العلم، حتى لو أراد أن يدفع العلم مع النظر لم يجد إليه سبيلا.
قالوا: والنظر إنما يتضمن العلم؛ لارتباط كل واحد بالآخر، وليس يتضمن القدرة على العلم.
قلنا: قد عرفتم من قضية أصلنا: أن الشيء إذا وقع مقدورا للعبد فلا يتحقق منه دفع مقدوره، فإنه لو حاول الفعل قبل أن تخلق له القدرة لم يجد إليه سبيلا ، وإذا اشتد الرجل في عدوه فلو أراد ضبط نفسه في وقت معين ومقدار معين، بحيث لا يحدث بعده حراك، لم يتمكن منه، وإنما يضبط نفسه قليلا قليلا، وكذلك الفار من بين يدي السبع، إلى غير ذلك من الأمثلة، وكل ذلك مقدور له ولا سبيل له إلى دفعها.
ثم نقول: من تم نظره وحصل له العلم، فلو فكر في علمه بالمنظور فيه